محمد بن جرير الطبري

433

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني أبو كثير ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يقول : تقبل منا إنك سميع الدعاء . القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن إبراهيم وإسماعيل أنهما كانا يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ يعنيان بذلك : واجعلنا مستسلمين لأَمرك خاضعين لطاعتك ، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك ، ولا في العبادة غيرك . وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الإِسلام الخضوع لله بالطاعة . وأما قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ فإنهما خصا بذلك بعض الذرية ؛ لأَن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم قبل مسألته هذه أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره ، فخصا بالدعوة بعض ذريتهما . وقد قيل إنهما عنيا بذلك العرب . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ يعنيان العرب . وهذا قول يعنيان العرب يدل ظاهر الكتاب على خلافه ؛ لأَن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأَمره ، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب ، والمستجيب لأَمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين ؛ فلا وجه لقول من قال : عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد . وأما الأَمة في هذا الموضع ، فإنه يعني بها الجماعة من الناس ، من قول الله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَرِنا مَناسِكَنا . اختلفت القراء في قراءة ذلك وأرنا مناسكنا ، فقرأه بعضهم : وَأَرِنا مَناسِكَنا بمعنى رؤية العين ، أي أظهرها لأَعيننا حتى نراها . وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة ، وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل يسكن الراء من " أرنا " ، غير أنه يشمها كسرة . واختلف قائل هذه المقالة وقراء هذه القراءة في تأويل قوله : مَناسِكَنا فقال بعضهم : هي مناسك الحج ومعالمه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا فأراهما الله مناسكهما الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، والإِفاضة من عرفات ، والإِفاضة من جمع ، ورمي الجمار ، حتى أكمل الله الدين أو دينه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا قال : أرنا نسكنا وحجنا . حدثنا موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت أمره الله أن ينادي فقال : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فنادى بين أخشبي مكة : يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تحجوا بيته . قال : فوقرت في قلب كل مؤمن ، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة : لبيك لبيك فأجابوه بالتلبية : لبيك اللهم لبيك وأتاه من أتاه . فأمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها فخرج ؛ فلما بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان ، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا ، فصده فرماه وكبر ، فطار فوقع على الجمرة الثالثة ، فرماه وكبر . فلما رأى أنه لا يطيقه ، ولم يدر إبراهيم أين يذهب ، انطلق حتى أتى ذا المجاز ، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز فلذلك سمي ذا المجاز . ثم انطلق حتى وقع بعرفات ، فلما نظر إليها عرف النعت ، قال : قد عرفت فسميت عرفات . فوقف إبراهيم بعرفات . حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع ، فسميت المزدلفة . فوقف بجمع . ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة فرماه بسبع حصيات سبع مرات ، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وامره . وذلك قوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا . وقال آخرون ممن قرأ هذه القراءة بمعنى رؤية العين : المناسك المذابح . فكان تأويل هذه الآية على قول من قال ذلك : وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا فنذبحها لك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار قال ثنا